الإمام الرضا عليه السلام (2) – قضية ولاية العهد

إجراءات الإمام الرضا عليه السلام لمواجهة المأمون
بعد العرض لسياسة المأمون، نتعرّض إلى السّياسة والإجراءات الّتي قام بها الإمام علي بن موسى الرّضا عليه السلام لمواجهة هذا الواقع:
1- إظهار الإمام انزعاجه من مغادرته المدينة:
عندما دُعي الإمام عليه السلام من قِبَل المأمون لينتقل من المدينة إلى خراسان، نشر جوّاً في المدينة يدلّ على انزعاجه وتضايقه من هذه الخطوة، بحيث إنّ كلّ شخص كان حول الإمام عليه السلام تيقّن أنّ المأمون يُضمر سوءاً للإمام عليه السلام من خلال إبعاده عن موطنه. ولقد أعرب الإمام للجميع عن سوء ما يرمي إليه المأمون بكلّ الأساليب الممكنة، فقام بذلك عند توديع حرم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وعند توديع عائلته، وأثناء خروجه من المدينة، وفي طوافه حول الكعبة من أجل الوداع، وبكلامه وسلوكه ودعائه وبكائه، كان واضحًا للجميع أنّ هذا السفر هو رحلته الأخيرة، ونهاية حياته عليه السلام.

وخلافًا لما كان يتصوّره المأمون وهو أن يُنظر إليه نظرة حسنة، بينما يُنظر إلى الإمام عليه السلام، الّذي قَبِل بطلب المأمون، نظرة سيّئة، نرى أنّ قلوب الجميع، ونتيجةً لردّ الفعل الّذي قام به الإمام عليه السلام في المدينة، ازدادت حقدًا على المأمون منذ اللحظة الأولى لسفر الإمام عليه السلام، فقد أبعد المأمون إمامهم العزيز عليه السلام عنهم بهذا الشكل الظالم، ووجّهه إلى مقتله.

2- رفض ولاية العهد:
عندما طُرحت ولاية العهد على الإمام في “مَروْ”، رفض الإمام عليه السلام هذا الطّرح بشدّة، ولم يقبل، حتّى هدّده المأمون صراحةً بالقتل. ولقد انتشر في كلّ مكان رفض الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام لولاية العهد من قبل الخلافة. كما أنّ العاملين في الحكومة، الّذين لم يكونوا على علمٍ بدقائق سياسة وتدابير المأمون، قاموا، وعن غباء، بنشر رفض الإمام عليه السلام في كلّ مكان. حتّى أنّ الفضل بن سهل صرّح في جمع من العاملين في الحكومة، أنّه لم يرَ على الإطلاق خلافة بهذا القدر من المذلّة. فالمأمون الّذي هو أمير المؤمنين، يُقدّم الخلافة أو ولاية العهد لعليّ بن موسى الرضا، وهو يردّها عليه رافضًا1.

ولقد سعى الإمام عليه السلام، في كلّ فرصة تُتاح له، أن يُبيّن أنّه مجبر على تسلّم هذا المنصب (ولاية العهد)، وكان يذكر دائمًا أنّه هُدّد بالقتل حتّى يقبل بولاية العهد. وكان من الطّبيعيّ جدًّا أن يُصبح هذا الحديث، الّذي هو من أعجب الظّواهر السّياسيّة، متناقلًا على الألسن، ومن مدينة إلى مدينة. فكلّ العالم الإسلاميّ في ذلك اليوم وفيما بعد، فهم أنّ شخصًا مثل المأمون حارب أخاه الأمين حتّى قتله، لأجل أن يُبعده عن ولاية العهد، ووصل به الأمر من شدّة غضبه على أخيه أن قام برفع رأسه ورؤوس آلافٍ آخرين على الرّماح، وطاف بهم من مدينة إلى مدينة. وشخصٌ مثل علي بن موسى الرضا عليه السلام، يظهر وينظر بلا مبالاة إلى ولاية العهد، ولا يقبلها إلّا مكرَهًا، وتحت التّهديد. وعند المقارنة بين الإمام علي بن موسى الرّضا عليه السلام وبين المأمون العبّاسيّ، نرى أن كلّ ما جهد المأمون لتحقيقه ووفّر في سبيله كلّ ما لديه، كانت نتيجته عكسيّة بالكامل.

3- القبول بالولاية وفق شروط:
مع كلّ الضّغوطات والتّهديدات الّتي مورست عليه، لم يقبل بولاية العهد إلا بشرط الموافقة على عدم تدخّله في أيّ شأن من شؤون الحكومة، من حرب وصلح وعزل ونصب وتدبير وإشراف على الأمور. والمأمون، الّذي كان يعتقد أنّ هذا الشّرط ممكن تحملّه في بداية الأمر، لأنّه يُمكنه بعدها أن يجرّ الإمام عليه السلام إلى ساحة أعمال ونشاطات الحكومة تدريجيًّا، وافق على قبول شرط الإمام عليه السلام الّذي ينصّ على عدم التدخّل بأيّ شيء مهما كان. ومن الواضح أنّ قبول المأمون بهذا الشرط جعل خطّته كمن يكتب على وجه الماء، فأكثر أهدافه الّتي كان يرمي إليها لم تتحقّق. والإمام عليه السلام، الّذي كان يُطلق عليه لقب وليّ العهد، وكان قهرًا يستفيد من إمكانات جهاز الحكم، كان دائماً يُقدّم نفسه كأنّه مخالف ومعترض عليه، فهو لم يكن يأمر ولا ينهى، ولا يتصدّى لأيّ مسؤولية، ولا يقوم بأيّ عمل للسلطة، ولا يدافع عن الحكومة، ولا يقدّم أيّ تبرير لأعمال النّظام. لذا كان من الواضح أنّ هذا الشخص الّذي يُعتبر عضوًا في النّظام الحاكم، والّذي أُدخل إليه بقوّة، وكان يتنحّى عن كلّ المسؤوليات، لا يُمكن أن يكون شخصًا محبًّا ومدافعًا عن هذا النّظام. ولقد أدرك المأمون جيّدًا هذا الخلل والنّقص، فحاول عدّة مرّات، وباستخدام لطائف الحيل، أن يحمل الإمام على العمل خلافًا لما تعهّد به سابقًا، فيجرّ الإمام عليه السلام بذلك إلى التدخّل في أعمال الحكومة، ويقضي على سياسة الإمام عليه السلام المواجِهة والرافضة. لكن الإمام كان في كلّ مرّة يُحبط خطّته بفطنته وبراعته.

وكنموذج على هذا الأمر، يذكر معمر بن خلاد، نقلًا عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، أنّ المأمون كان يقول للإمام: إذا أمكن أن تكتب شيئًا لأولئك الّذين يسمعون كلامك ويطيعونك حتّى يُخفّفوا من حدّة التوتر والأوضاع المضطربة في مناطق وجودهم، لكنّ الإمام عليه السلام كان يرفض، وكان يُذكّره بشرطه السّابق القاضي بعدم تدخّله مطلقًا في أيّ من الأمور. نموذجٌ آخر مهمٌّ جدًّا وملفتٌ هو حادثة صلاة العيد، حيث إنّ المأمون، وبحجّة أنّ النّاس يعرفون قدر الإمام عليه السلام، وقلوبهم تهفو حبًّا له، طلب من الإمام عليه السلام أن يؤمّ النّاس في صلاة العيد. رفض الإمام عليه السلام في البداية، ولكن، وبعد إصرار المأمون على طلبه، وافق بشرط أن يخرج إلى الصّلاة ويُصلّي بطريقة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بن أبي طالب عليه السلام نفسِها. فلمّا استفاد الإمام عليه السلام من هذه المناسبة وانتهزها كفرصة جيدة لصالح مشروعه، ندم المأمون الّذي كان قد أصرّ على ذلك، وأرجع الإمام عليه السلام من منتصف الطّريق قبل أن يُصلّي، معرّضًا بفعله هذا سياسة نظامه المخادعة والمتملّقة لضربةٍ أخرى في صراعه مع الإمام عليه السلام2.

4- الاستفادة من ولاية العهد في نشر الدعوة الشيعية:
إنَّ استفادة الإمام الأساس من مسألة ولاية العهد كانت أهمّ من كلّ ما ذُكر، فبقبوله بولاية العهد استطاع أن ينهض بحركة لا نظير لها في تاريخ حياة الأئمّة (بعد انتهاء خلافة أهل البيت في سنة 40 هجرية حتّى آخر عهود الخلافة الإسلاميّة)، ولقد تمثّل ذلك بظهور دعوة الإمامة الشيعيّة على مستوًى كبير في العالم الإسلاميّ، وخرق ستار التقيّة الغليظ في ذاك الزّمان، حيث تمّ إيصال نداء التشيّع إلى أسماع المسلمين جميعهم، فمنبر الخلافة القويّ جُعل تحت تصرّف الإمام عليه السلام، وقد قام الإمام عليه السلام من خلاله برفع ندائه وإعلان ما كان يُقال طيلة 150 سنة في الخفاء، والتقية للخواص والأصحاب المقرّبين. وبالاستفادة من الإمكانات الرائجة في ذلك الزمان الّتي لم تكن إلا تحت سيطرة الخلفاء والمقرّبين منهم في الرّتب العالية، أوصل ذلك النداء إلى أسماع الجميع.

وكذلك أيضاً مناظرات الإمام عليه السلام الّتي جرت بينه وبين جمع من العلماء في محضر المأمون، حيث بيّن أمتن الأدلّة على مسألة الإمامة. وهناك أيضًا رسالة جوامع الشّريعة الّتي كتبها الإمام للفضل بن سهل، حيث ذكر فيها أمّهات المطالب العقائدية والفقهية للتشيّع، وأيضًا حديث الإمامة المعروف الّذي قد ذكره الإمام عليه السلام في مَرْو لعبد العزيز بن مسلم، إضافة إلى تلك القصائد الكثيرة الّتي نُظّمت في مدح الإمام بمناسبة تسلّمه ولاية العهد. ومنها قصيدتا دِعبل وأبي نوّاس اللتان تُعدّان من أهمّ القصائد المخلَّدة في الشّعر العربيّ. إنّ كلّ ما ذكرناه من استفادة الإمام عليه السلام من مسألة قبوله ولاية العهد، يدلّ على مدى النّجاح العظيم الّذي حقّقه الإمام عليه السلام في صراعه ضدّ سياسة المأمون.

وفي تلك السنة نجد الخطب حافلة بذكر فضائل أهل البيت في المدينة، ولعلّه في الكثير من الأقطار الإسلاميّة، وذلك عندما وصل خبر ولاية علي بن موسى الرضا عليه السلام، فبعد أنّه لم يكن هناك شخصٌ يجرؤ على ذكر فضائل أهل بيت النبيّ عليهم السلام، وكانوا يُشتمون علنًا على المنابر لمدة سبعين سنة، وما تلاها من سنوات، فقد رجع في زمان الإمام الرّضا عليه السلام ذكر عظمة وفضائل أهل البيت في كلّ مكان، كما أنّ أصحابهم ازدادوا جرأةً وإقدامًا بعد هذه الحادثة، وتعرّف الأشخاص، الّذين كانوا يجهلون مقام أهل البيت عليهم السلام، عليهم، وصاروا يُحبونهم، وأحسّ الأعداء، الّذين أخذوا على عاتقهم محاربة أهل البيت، بالضّعف والهزيمة. فالمحدّثون والمفكّرون الشّيعة أصبحوا ينشرون معارفهم ـ الّتي لم يكونوا ليجرؤوا قَبْلًا على ذكرها إلا في الخلوات ـ في حلقات دراسيّة كبيرة، وفي المجامع العامّة علنًا.

في حين رأى المأمون أنّه من المفيد فصل الإمام عليه السلام عن النّاس. فهذا الفصل والإبعاد هو في النّهاية وسيلة لقطع العلاقة المعنويّة والعاطفيّة بين الإمام وبين النّاس، وهذا ما يريده المأمون. ولمواجهة هذه الخطوة لم يكن الإمام عليه السلام يترك أيّ فرصة تُمكّنه من الاتّصال بالنّاس إلّا ويستفيد منها خلال تحرّكه ومسيره. فمع أنّ المأمون كان قد حدّد الطّريق الّتي سيسلكها الإمام من المدينة وصولًا إلى مرْو، بحيث لا يمرّ على المدن المعروفة بحبّها وولائها لأهل البيت مثل قم والكوفة، لكنّ الإمام عليه السلام استفاد من كلّ فرصة في مسيره لإقامة علاقات جديدة بينه وبين النّاس، فأظهر في منطقة الأهواز آيات الإمامة، وفي البصرة الّتي لم يكن أهلها من محبّي الإمام سابقًا، جعلهم من محبّيه ومريديه، وفي نيشابور ذكر حديث السّلسلة الذهبية ليبقى ذكرى خالدة، إضافة إلى ذلك الآياتُ والمعجزات الّتي أظهرها. وقد اغتنم الفرصة لهداية النّاس وإرشادهم في سفره الطّويل هذا. وعندما وصل إلى مرو الّتي هي مركز إقامة الخلافة، كان عليه السلام كلّما سنحت له الفرصة وأفلت من رقابة الجهاز الحاكم، يُسارع إلى الحضور في جمع النّاس.

والإمام عليه السلام، فضلًا عن أنّه لم يحضّ ثوّار التشيّع على الهدوء أو الصلح مع جهاز الحكومة، بل إنّ القرائن الموجودة تدلّ على أنّ الوضع الجديد للإمام المعصوم كان عاملًا محفّزًا ومشجّعًا لأولئك الّذين أصبحوا، بفعل حماية الإمام ومؤازرته لهم، محلّ احترام وتقدير، ليس فقط عند عامّة النّاس، بل حتّى عند العاملين وولاة الحكومة في مختلف المدن، بعد أن كانوا، ولفتراتٍ طويلة من عمرهم، يعيشون في الجبال الوعرة والمناطق النّائية البعيدة. فشخصٌ مثل دعبل الخزاعيّ، صاحب البيان الجريء، الذي لم يكن على الإطلاق يمدح أي خليفة أو وزير أو أمير، والذي لم يكن في خدمة الجهاز الحاكم، لا بل لم يسلم من هجائه ونقده أيّ شخصٍ من حاشية الخلافة، وكان لأجل ذلك ملاحَقًا دومًا من قبل الأجهزة الحكوميّة، وظلّ لسنوات طوال مهاجرًا ليس له موطن، يحمل داره على كتفه، ويسير من بلدٍ إلى بلد، ومن مدينةٍ إلى مدينة، أصبح بإمكانه الآن مع وجود الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام أن يصل ويلتقي بمقتداه ومحبوبه بحريّة، وأن يُوصل، في فترةٍ قصيرة، شعره إلى أقطار العالم الإسلاميّ كلّه. ومن أشهر قصائده وأبهاها تلك الّتي تلاها على مسمَع الإمام عليه السلام حيث اشتهر بها، والّتي تبيّن وثيقة الثّورة العلويّة ضدّ الأنظمة الأمويّة الحاكمة. حتّى أنّه، وفي طريق عودته من عند الإمام، كان يسمع قطّاع الطّرق يُردّدون تلك القصيدة نفسها. وهذا يدلّ على الانتشار السّريع لشعره.

مكانة الامام بعد عام من قبول ولاية العهد
لقد جعل المأمون عليَّ بن موسى متمتّعًا بالإمكانات والمكانة المرموقة، لكنّ الجميع كانوا يعلمون أنّ هذا الوليّ للعهد، وصاحب المقام الرفيع، لا يتدخّل بأيٍّ من أعمال الحكومة، ويمتنع برغبته عن كلّ ما يرتبط بجهاز الحكم، وكانوا يعلمون أيضًا أنّه وليّ العهد بذلك الشّرط، أي عدم تدخّله بأيّ عمل من الأعمال. كان المأمون، سواء في رسالة أمر تسليم ولاية العهد أو في كلماته وتصريحاته الأخرى، قد مدح الإمام عليه السلام بالفضل والتّقوى، وأشار إلى نسبه الرّفيع ومقامه العلميّ المنيع، وبعد أن كان قسمٌ من النّاس لا يعرف عن الإمام عليه السلام سوى اسمه (حتى أنّ مجموعة من النّاس كانت قد ترعرعت على بغضه)، فقد أصبح في غضون سنة معروفًا عندهم بأنّه شخصيّة تستحقّ التّعظيم والإجلال واللياقة لاستلام الخلافة، فهو أكبر من الخليفة المأمون سنًّا، وأغزر علمًا وتقوى، وأقرب إلى النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأعظم وأفضل. وبعد مضيّ سنة، ليس أنّ المأمون لم يستطع كسب ودّ ورضا الشّيعة المعارضين بجلب الإمام عليه السلام إلى قربه فحسب، بل إنّ الإمام عليه السلام قام بدورٍ أساس في تقوية إيمان أولئك الشّيعة الثّائرين وعزيمتهم وروحيّتهم.

وبخلاف ما كان ينتظره المأمون، فإنّ نجم الإمام في المدينة ومكة، وفي أهمّ الأقطار الإسلاميّة لم يخبُ، ولم يُقذف بتهمة الحرص على الدنيا وحبّ الجاه والمنصب، بل على العكس من ذلك تمامًا، فقد ازداد احترام وتقدير مرتبة الإمام المعنويّة لدرجة فتح الباب أمام المدّاحين والشعراء بعد عشرات السنين، ليذكروا فضل آبائه المعصومين المظلومين ومقامهم.

شهادة الإمام الرضا عليه السلام
إنّ المأمون في هذه المقامرة الكبرى، فضلًا عن أنّه لم يحصل على شيء، فإنّه فقد مكاسب كثيرة، وكان على طريق خسارة ما تبقّى له. وبعد مضي سنة على تسلّم الإمام عليه السلام ولاية العهد، وأمام هذا الواقع الّذي أشرنا إليه، شعر المأمون بالهزيمة والخسارة، ولكي يُعوِّض عن هذه الهزيمة ويَجبُر خطأه الفاحش، وجد نفسه مضطرًّا – بعد أن أنفق كلّ ما لديه، واستنفذ كلّ الوسائل في مواجهة أعداء حكومته الّذين لا يقبلون الصلح، أي أئمّة أهل البيت عليهم السلام – إلى أن يستخدم الأسلوب نفسه الّذي لجأ إليه دومًا أسلافُه الظّالمون والفجّار، أي القتل.

كان من الواضح عند المأمون أنّ قتل الإمام عليه السلام الّذي يتمتّع بهذه الموقعيّة العالية والمرتبة الرّفيعة، ليس بالأمر السّهل. والقرائن التاريخيّة تدلّ على أنّ المأمون قام بعدّة إجراءات وأعمال قبل أن يُصمّم على قتل الإمام عليه السلام، لعلّه من خلالها يُسهّل أمر قتل الإمام عليه السلام، ويحدّ من خطورته وحساسيّته. ولأجل ذلك، لجأ إلى نشر الأقوال والأحاديث الكاذبة عن لسان الإمام، كواحدة من هذه التحضيرات. وهناك ظنٌّ كبيرٌ بأنّ نشر الشائعة الّتي تقول إنّ عليَّ بن موسى الرضا عليه السلام يعتبر كلّ النّاس عبيدًا له، بهذا الشكل المفاجئ في مرْو، لم يكن ممكنًا، لولا قيام عمّال المأمون بنشر هذه الافتراءات.

وحينما نقل أبو الصّلت هذا الخبر للإمام، قال الإمام عليه السلام: “اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، أَنْتَ شَاهِدٌ بِأَنِّي لَمْ أَقُلْ ذَلِكَ قَطُّ، وَلَا سَمِعْتُ أَحَداً مِنْ آبَائِي عليه السلام قَالَهُ قَطُّ، وَأَنْتَ الْعَالِمُ بِمَا لَنَا مِنَ الْمَظَالِمِ عِنْدَ هَذِهِ الْأُمَّة، وأنَّ هَذِه مِنْهَا…”3.

إضافة إلى هذا الإجراء، كان تشكيل مجالس المناظرات مع أيّ شخص لديه أدنى أمل في أن يتفوّق على الإمام، واحداً من الإجراءات الّتي مارسها المأمون. ولمّا كان الإمام عليه السلام يتفوّق ويغلب مناظريه من مختلف الأديان والمذاهب في البحوث كافّة، كان يذيع صيته بالعلم والحجّة القاطعة في كلّ مكان، وفي مقابل ذلك كان المأمون يأتي بكلّ متكلّم من أهل المجادلة إلى مجلس المناظرة مع الإمام، لعلّ أحدًا منهم يستطيع أن يغلب الإمام عليه السلام. وكما تعلمون، إنّه كلّما كانت تكثر المناظرات وتطول، كانت القدرة العلميّة للإمام عليه السلام تزداد وضوحًا وجلاءً. وفي النّهاية يئس المأمون من تأثير هذه الوسيلة، وحاول أن يتآمر لقتل الإمام عليه السلام، كما تذكر الروايات، من خلال حاشيته وخدم الخليفة. وفي إحدى المرّات وُضع الإمام في سجن سرخس (منطقة شمال شرق إيران)، لكن هذا لم يكن نتيجتُه إلا إيمان الجلاوزة والسجّانين أنفسهم بالمقام المعنويّ للإمام عليه السلام. وهنا لم يجد المأمون العاجز والغاضب أمامه في النّهاية وسيلة إلّا أن يُسمّم الإمام بنفسه، من دون أن يُكلِّف أيّ أحد بذلك، وهذا ما قام به فعلًا. ففي شهر صفر من سنة 203 هـ، أي بعد سنتين تقريبًا من خروج الإمام عليه السلام من المدينة إلى خراسان، وبعد سنة ونيّف من صدور قرار ولاية العهد، قام المأمون بجريمته النكراء الّتي لا تُنسى، وهي قتل الإمام عليه السلام.

وفي نهاية المطاف، عاد المأمون ليختار الأسلوب نفسه الّذي سلكه أسلافه من قبله، وهو قتل الإمام عليه السلام. فالمأمون الّذي سعى جاهدًا لتكون صورته حسنة ومقدّسة، وليتّصف بأنّه خليفة طاهر عاقل، سقط في النهاية في تلك المزبلة الّتي سقط فيها كلّ الخلفاء السابقين له، أي انجرّ إلى الفساد والفحشاء، ووُسمت حياته بالظّلم والكبر..

ويُمكن مشاهدة نماذج من حياة المأمون على مدى 15 عامًا بعد حادثة ولاية العهد، تكشف ستار الخداع والتّظاهر عند المأمون. فكان لديه قاضٍ للقضاة، فاسق وفاجر، مثل يحيى بن الأكثم. وكان المأمون يُحضر المغنّيات أيضًا إلى قصره، وكان لديه مغنٍّ خاصّ يُدعى إبراهيم بن مهديّ. وقد عاش مرفّهًا مسرفًا حتّى أنّ ستائر دار خلافته في بغداد كانت من الدرّ.

* تاريخ النبي وأهل البيت عليهم السلام، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.
المصدر: شبكة المعارف الاسلامية
________________________________________
1- الشيخ المفيد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، مؤسسة آل البيت لتحقيق التراث، دار المفيد ـ بيروت، ط2، 1993م، ج 2، ص 260، “فما رأيت خلافة قطّ كانت أضيع منها. إنّ أمير المؤمنين يتفصّى منها، ويعرضها على عليّ بن موسى الرضا، وعلي بن موسى يرفضها ويأبى”.
2- الشيخ المفيد، الإرشاد، ج 2، ص 257-258.
3- الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، عيون أخبار الرضا، تحقيق وتصحيح مهدي اللاجورديّ، نشر جهان ـ طهران، الطبعة الأولى، 1420م، ج2، ص 184.

أغسطس 4, 2017