الآداب المعنوية العامة للصلاة-1

في سورة المؤمنون المباركة قُرن الفلاح بعدّة أمورٍ أهمّها الصلاة، التي تبدأ السورة بذكرها أولاً، ثم وبعد ذكر تسع صفاتٍ أساسية للمؤمنين تعود إليها مجدداً ولكن هذه المرة بلحنٍ آخر أشدّ تأكيداً على أهمية هذه الفريضة لما تمتلكه من خصوصيات لا نجدها في غيرها من الفرائض والأحكام. ﴿ قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ﴾2 إلى قوله تعالى ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ﴾3. يقول العلامة الطباطبائي في تفسيره: “قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ﴾ المراد بالمحافظة على الصلاة رعاية صفات كمالها على ما ندب إليه الشرع”4. فالمحافظة على الصلاة تبدأ من رعاية شروطها وآدابها الظاهرة منها والباطنة.

والملفت في هذه السورة المباركة أنها ذكرت أن الصفة الأولى للمؤمن الحقيقي هي الخشوع في الصلاة، وآخرها المحافظة عليها، فالبدء كان بالصلاة وبها كان الانتهاء، لأنّ الصلاة أهمّ رابطة بين الخالق والمخلوق، وخير وقايةٍ من الذنوب.

“والخلاصة، إنّ الصلاة إن أقيمت على وفق آدابها اللازمة، أصبحت أرضية أمينة لأعمال الخير جميعاً. وجديرٌ بالذكر أنّ الآيتين الأولى والأخيرة تضمّنت كلّ واحدة منها موضوعاً يختلف عن الآخر، فالآية الأولى تضمّنت الصلاة بصورةٍ مفردة، والأخيرة بصورة جماعية. الأولى تضمّنت الخشوع والتوجّه الباطني إلى الله. هذا الخشوع الذي يعتبر جوهر الصلاة، لأنّ له تأثيراً في جميع أعضاء جسم الإنسان، والآية الأخيرة أشارت إلى آداب وشروط صحّة الصلاة من حيث الزمان والمكان والعدد، فأوضحت للمؤمنين الحقيقيين ضرورة مراعاة هذه الآداب والشروط في صلاتهم”5.

فكما سبق فإن للصلاة شروطاً ظاهريةً وآداباً معنويةً قلبيةً لا بدّ من مراعاتها حتى تثمر هذه العبادة تحقّق عبودية المصلّي للربّ المتعال. ونبدأ بالأدب الأول من الآداب المعنوية العامة:

المحافظة على الصلاة من تصرّف الشيطان
من الآداب المعنوية المهمّة والتي لها دورٌ مهمٌّ في العبادات بشكلٍ عامٍّ والصلاة بشكلٍ خاصٍّ، الحفاظ على العبادة من التصرّفات الشيطانية والأهواء النفسية.

إن للإنسان جسداً وروحاً وقلباً، ولكلٍّ منها غذاؤه المناسب لينمو ويتكامل بشكلٍ صحيحٍ، فللجسد غذاءٌ مادّيٌّ لا يمكن أن ينمو من دونه، ولهذا الغذاء مواصفاتٌ وشروطٌ من الجودة والسلامة لا بدّ منها، كما لا بدّ من خلوّه من كل ما ينافي صحّة الجسد وإلا غدا ضعيفاً معتلّاً لا بدّ من علاجه.

وكذلك للروح والقلب غذاؤهما المناسب لكي يكونا في عافيةٍ وصحّةٍ وسلامةٍ. وغذاء الروح والقلب هو العلوم والمعارف الإلهية والفضائل الأخلاقية والعبادات الشرعية، فبها يتكامل الإنسان ويترقّى في مدارج الرقيّ ومن دونها لا ينال أيّ كمالٍ ممكنٍ.

ولهذه الأغذية الروحية من معارف وفضائل وعبادات، شروطٌ ومعايير صحّةٍ لكي تغدو مفيدةً للإنسان، وهي أن تُعدّ بيد أولياء الله وتكون تحت رعايتهم ووفق توجيهاتهم وأن تخلو ممّا يشوبها. فإن فُقدت هذه الشروط وخالط الأغذية ما يشوبها فقدت صلاحيتها وانقلبت فائدتها ضرراً وأصبحت نتيجتها سمّاً على الروح والقلب.

وما ينافي سلامة الأغذية الروحية والقلبية ويشوبها هو التصرّفات الشيطانية والأهواء النفسية. فكم من طلّاب علمٍ لم يستفيدوا من غذاء العلم الإلهي بل ازدادوا في المفاسد الأخلاقية؟!

وكم من أهل العبادة ومن الأفراد الذين سعوا في تصفية أنفسهم وتزيينها بفضائل الأخلاق فانتهت بهم جهودهم إلى العجب والتكبّر وسوء الظنّ بعباد الله.. إلى غير ذلك من الظلمات النفسية؟!

ولم يكن ذلك سوى بسبب أن تعلّمهم وعباداتهم وسعيهم لتزكية أنفسهم كان مشوباً بأهواء النفس وتصرّفات الشيطان اللعين ولم يتناولوا الأغذية الروحية والقلبية المناسبة الخالصة من كل رجسٍ ودنسٍ، والمعجونة بيد أولياء الله عزّ وجلّ.

وهنا يتّضح لنا أهمية سلامة العبادة من تصرّفات الشيطان وأهواء النفس الأمّارة باعتبار أن العبادة وأداء المناسك والعبادات الإلهية هي أحد الأغذية المعنوية المهمّة للروح والقلب.

كيف يسلم الغذاء الروحي من التصرّفات الشيطانية وأهواء النفس الأمّارة؟
من الأمور المهمّة في المساعدة على سلامة الغذاء الروحي والقلبي وصفائه من التصرّفات الشيطانية ما يلي:

1. ينبغي أن يكون الغذاء الروحي مأخوذاً من النبع الصافي للإسلام وهذا النبع هو: الرسول محمد وآل بيته عليهم السلام.

2. أن يكون الإنسان في سلوكه طالبا لله، ويضع حب النفس وعبادتها الذي هو منشأ

المفاسد كلّها وأمّ الأمراض الباطنية تحت قدميه. وبغير ذلك لا يحصل الخلاص من تصرّف الشيطان الذي هو مقدّمةٌ للإخلاص بحقيقته.

3. على الإنسان المؤمن أن لا ييأس من القضاء على تصرّفات الشيطان، فاليأس من روح الله رأس كل برودةٍ وفتورٍ ومن الكبائر.

4. على الإنسان أن يواظب بكمال المواظبة والدقّة على حاله كطبيبٍ رفيقٍ ورقيبٍ شفيق، وأن يفتّش بالدقّة عن عيوب مسيره وسلوكه إلى الله تعالى، وأن لا يخلّي نفسه على رسلها آناً ما، فربما يسقط في الهاوية في لحظة غفلة.

5. على السالك إلى الله اللجوء إلى الربّ الرحيم في خلواته والتضرّع والاستكانة إليه، فإنه بحاجة إليه وإلى توفيقه في سلوكه المعنوي بل في جميع شؤونه.

التوجّه إلى عز الربوبية وذلّ العبودية
أحد أهم آداب العبادات ومنها عبادة الصلاة، بل هو أدبٌ لازمٌ لرحلة الإنسان المعنوية بأسرها فلا يستقيم سيرٌ أو سلوكٌ من دونه، هو أدب التوجّه إلى عزّ الربوبية وذلّ العبودية. فما هو هذا الأدب وما سبب أهمّيته؟ يمكن اختصار حقيقة هذا الأدب بعبارةٍ بسيطةٍ، وهي أن يدرك الإنسان عظمة الله وكبريائه وجبروته، وفي مقابل ذلك يدرك ذلّته وفقره وحاجته ومسكنته أمام عزّة الله وغناه.

أهمية التوجّه إلى عزّ الربوبية وذلّ العبودية
لهذا التوجّه والإدراك أهمّيته القصوى في حركة الإنسان المعنوية بحيث يمكننا القول بأن إنسانية الإنسان تقاس بمقدار قوّة هذا الإدراك. فإن كانت حركة الإنسان المعنوية تسير باتجاه تحقّق إنسانية الإنسان مقتدياً بالإنسان الكامل، فإن هذه الحركة تكون صحيحةً وموصلةً إلى الهدف المنشود وهو الكمال الإنساني. وهذه الحركة إنما تتحقق بقدر امتلاك الإنسان لهذا الإدراك ووعيه له وتجلّيه فيه.

والعكس صحيحٌ أيضاً ، فكلّما كان الإنسان مستغرقاً في حبّ ذاته وعشقها، وأنانيّاً لا يرى أكثر من أفق نفسه، و بعيداً عن معرفة عظمة الله وعزّته، كان بعيداً عن كمال الإنسانية. وفي الواقع فإن حب النفس ورؤيتها هو أكبر وأضخم الحجب وأظلمها، تلك الحجب التي تحول ما بين الإنسان وما بين كماله الحقيقي ومقام القرب الإلهي. وما لم يخرج الإنسان من حجاب حب النفس ورؤيتها فإنه لا سبيل له للسير والسلوك الحقيقيين. فالانتصار على هذا الحجاب وخرقه هو أول الطريق وأول شرط للسلوك الحقّ إلى الله تعالى.

فجهاد النفس ورياضتها لا تنجح ولا تؤتي أكلها إذا لم يعرف الإنسان نفسه ويقدّرها التقدير الواقعي، ويدرك مدى ذلّها أمام ربّ العالمين الغني العزيز الذي يتّصف بجميع الصفات الكمالية.

وإن أي سيرٍ وسلوكٍ للإنسان سابقين على خرق حجاب الأنا والأنانية محكومان بالبطلان، فهما لا يكونان في سبيل الله تعالى وباتجاه قربه، بل يكونان رحلة من النفس إلى النفس كمن يحوم حوم نفسه، كما في الحديث الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام: “الظالم يحوم حوم نفسه والمقتصد يحوم حوم قلبه والسابق بالخيرات يحوم حوم ربه”6.

أمّا إن خرق هذا الحجاب وأدرك حقيقة نفسه الذليلة ووسم ناصيته بسمة العبودية التي هي حقيقته المطلقة وأدرك عظمة المعبود فإنه يخطو ويسير على الصراط المستقيم الموصل إلى الله تعالى.

وكلّما كانت النفس مرتفعةً متكبّرةً، وكلما أدام الإنسان النظر إليها، كلّما كان الشعور بعزّة الله وغناه وعظمته ناقصاً بل وقد يختفي هذا الشعور تماماً في بعض الحالات كما كانت حالة فرعون الذي أخذته العزّة بالإثم فقال ﴿ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ ﴾7 والعياذ بالله.

ونجد هذا المعنى في حديث الإمام الصادق عليه السلام: “العبودية جوهر كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية، وما خفي من الربوبية أصيب في العبودية”8.

فمن سعى بخطوة العبودية وأدرك ذلّة النفس وفقرها وصل إلى عزّ الربوبية. وهنا يأتيه تأييد الله عزّ وجلّ. فعندما يترك العبد التصرّفات النفسية ويسلّم حكومة وجوده كلّها إلى الحق، ويخلّي بين البيت وصاحبه قلب المؤمن عرش الرحمن، فحينئذٍ يكون المتصرّف في الدّار صاحبها فتصير تصرّفات العبد إلهيّة، ويكون بصره بصراً إلهياً وينظر نظرةّ إلهية، ويكون سمعه إلهيّاً فيسمع بسمع الحق تعالى.

وهذا ما يشير إليه الحديث المشهور: “… وإنه العبد ليتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته”9.

إذاً، كلّما قوي في النفس الشعور بذلّ العبودية وعزّ الربوبية زادت الروحانية في العبادة كالصلاة وغيرها، وأدرك الإنسان حقيقة العبودية وسرّ العبادة، فعلى الإنسان الذي يريد الوصول إلى الله تعالى ومعرفته أن يهاجر من بيت النفس إلى الله ورسوله ويسلّم كيانه إلى الله تعالى، وبذلك يكون قد خطا الخطوة الأولى في روحانيّة العبادة.

الخشوع
يقول الله تعالى: ﴿ قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١ ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ ﴾10. من الآداب العامّة اللازمة في الصلاة وغيرها من العبادات الخشوع، وهو يعني، الخضوع التام للحق تعالى الممزوج بالحب له أو الخوف منه جلّ وعلا. وهو يحصل من إدراك عظمة الجلال والجمال وسطوتهما وهيبتهما.

أما لماذا يكون الخضوع ممزوجاً تارةً بالحب وأخرى بالخوف؟ السبب في ذلك أن القلوب السالكة إلى الله تعالى بحسب الفطرة مختلفة، فمنها عشقيٌّ ومن مظاهر الجمال وتكون مفطورةً على التوجّه إلى جمال المحبوب، وهي تدرك على الدوام الجمال في الأشياء وتدرك أصله في جمال الجميل المطلق، فأصحاب هذه القلوب تغشاهم هيبة الجمال وعظمته ويأخذهم الخشوع حيال جمال المحبوب.

وبعض القلوب خوفيّ، ومن مظاهر الجلال، وهي تدرك على الدوام العظمة والكبرياء والجلال، وخشوعها يكون من الخوف، ومن تجلّي الأسماء القهرية والجلالية عليها، كما كان حال النبي يحيى على نبيّنا وآله عليهم السلام.

فالخشوع يكون ممزوجا تارةً بالحب وأخرى بالخوف والوحشة، مع الالتفات إلى أنه في كل حبٍّ وحشة، وفي كل خوفٍ حبّ.

كيفية تحصيل الخشوع
من أجل تحصيل الخشوع في العبادات ولا سيّما في الصلاة لا بدّ للعابد من سلوك طريق العلم والإيمان، فإن كان الخشوع ناتجاً عن إدراك عظمة العظيم المطلق وهيمنة هذه العظمة على قلب الإنسان سواء كان قلبه عشقيّاً أم خوفيّاً، فإن إدراك هذه العظمة لمن هم أمثالنا يتأتّى عن طريق العلم بها وإيصال هذا العلم إلى القلب لتحقيق الإيمان بها.

ومن المعلوم أن الإيمان هو غير العلم، فهناك فرقٌ بينهما. والدليل على ذلك أن الشيطان كما يشهد له الله تعالى عالمٌ بالمبدأ والمعاد ومع ذلك فهو كافر، لأنه يقول: ﴿ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ﴾11 فهو إذاً يعترف بالحق تعالى وخالقيته، ويقول أيضاً: ﴿ قَالَ أَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ﴾12 فيعتقد بالمعاد، وهو كذلك عالمٌ بالكتب والرسل والملائكة، ومع ذلك كله خاطبه الله سبحانه بلفظ الكافر.

فإذاً، يمتاز أهل العلم من أهل الإيمان فليسوا سواء، إذ أن العلم بمفرده لا يوجد خشوعاً في القلب، وكلّ فردٍ يدرك ذلك، فمع كوننا معتقدين بالمبدأ والمعاد، ومع اعتقادنا بعظمة الله وجلاله وجماله فإننا لا نتذوّق طعم الخشوع في قلوبنا. وما ذلك إلا لأن ما اعتقد به العقل لم يصل إلى القلب ولم ينطوِ على الإيمان به.

ومع أننا نصلّي كلّ يومٍ خمس مرات ومنذ سنين عديدةٍ من عمرنا، إلّا أننا لم نستشعر الخشوع في صلاتنا رغم أن الله تعالى يقول في كتابه المجيد مادحاً المؤمنين: ﴿ قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١ ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ ﴾13 فجعل الخشوع في الصلاة من حدود الإيمان وعلائمه. فمن لم يكن خاشعاً في الصلاة فهو خارج زمرة أهل الإيمان طبقاً لما قاله ذات الحق المقدس تعالى شأنه.

وعن إمامنا الصادق عليه السلام أنه قال “إِذَا كُنْتَ دَخَلْتَ فِي صَلَاتِكَ فَعَلَيْكَ بِالتَّخَشُّعِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى صَلَاتِكَ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ ﴿ ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ ﴾”14.

وبما أن صلواتنا ليست مشفوعةً بالخشوع، فإن ذلك ناجمٌ إمّا من نقصٍ في إيماننا أو فقدانه. فالعلم بالله وأسمائه وصفاته وسائر المعارف الإلهية الظاهر منا، مغايرٌ لواقع إيماننا.

من هنا نستنتج أنه لتحصيل الخشوع في الصلاة ينبغي لنا أن نعمل على تحقيق الإيمان في ما نعتقد به عقلاً، ويمكننا أن نختصر خطوات تحقيق الخشوع على النحو التالي:

خطوات تحصيل الخشوع
1. على العابد أن يحصّل الخشوع بنور العلم أي أن يتعرّف إلى العقائد الحقّة المتعلّقة بالله تعالى وأسمائه وصفاته، والتي توجب الاعتقاد بكونه صاحب العظمة المطلقة التي لا تقارن بعظمة أيّ عظيمٍ في هذا العالم مهما علا شأنه،
وتستوجب بالتالي الاعتقاد بأنه الوحيد الذي يستحقّ الخضوع والذي لا يمكننا الحضور في محضره إلا ونحن مغمورون بحالة الخشوع بشكلٍ حتميٍّ وتلقائيٍّ، حيث إن هذه هي الحالة النفسية الطبيعية التي ترافقنا حين الحضور لدى شخصٍ نعتقد بعظمته.

2. على العابد أن يذكّر القلب على الدوام بالعقائد الحقّة وبعظمة الله ويعمل بمقتضى هذه الاعتقادات حتى يؤمن القلب بهذه الحقائق ويدخل الخشوع شيئاً فشيئاً إلى قلبه.

3. على السالك أن يدرك أنه لن يتمكّن بدايةً من تحصيل حالة الخشوع في جميع صلاته من أوّلها إلى آخرها ولذلك عليه أن لا ييأس بل أن يفهم أن الأمر ممكنٌ جدّاً مع الممارسة والمجاهدة القلبية.

4. كما عليه أن يعلم أن تحصيل الخشوع لا يكون بالفتور بل يحتاج إلى جدٍّ، وكلّما كان المطلوب أعظم – وهو القرب من الله – فهو أحرى بالجد. لذلك عليه بالمثابرة فهو وإن شعر بالضيق في بداية طريق سعيه إلى الصلاة وامتلاك حالة الخشوع، إلا أنه وبعد مدّة يحصل له الأنس بها واللذّة التي لا تقاس بها لذّات هذه الدّنيا.

5. على السالك أن لا يقنع بما وصل إليه بل عليه أن يطلب المزيد دائماً ويعتبر نفسه ناقصاً فلا يُبتلى بالعجب.

التمارين

ضع إشارة أو  في المكان المناسب:

1 – إنّ للصلاة شروطاً ظاهريةً وآداباً معنويةً قلبيةً لا بدّ من مراعاتها لكي تحقّق عبودية المصلّي لله تعالى 

2 – الحفاظ على العبادة من التصرّفات الشيطانية والأهواء النفسية لا دور مهماً له في العبادات 

3 – غذاء الروح والقلب هو العلوم والمعارف الإلهية والفضائل الأخلاقية والعبادات الشرعية 

4 – بقاء العلوم والمعارف الإلهية تحت يد أولياء الله وبُعدها عن التصرّفات الشيطانية والأهواء النفسية يفقدها صلاحيتها الروحية والمؤثّرة في سلوك العابد 

5 – لتسلم الأغذية الروحية من التصرّفات الشيطانية والأهواء النفسية يجب أن تأخذ من النبع الصافي للإسلام وهو القرآن الكريم 

6 – أدب التوجّه الدائم إلى عزّ الربوبية وذلّ العبودية في العبادات أدبٌ لازمٌ لرحلة الإنسان المعنوية 

7 – كلّما ضعف في النفس الشعور بذلّ العبودية وعزّ الربوبية أدرك الإنسان حقيقة العبودية وسرّ العبادة 

8 – الخشوع يعني الخضوع التام للحقّ تعالى الممزوج بالحبّ له أو الخوف منه جلّ وعلا 

9 – الخشوع حالة روحيّة يحصل عليها السالك مباشرة من دون الحاجة إلى الممارسة والمجاهدة القلبية 

10 – التعرّف إلى العقائد الحقّة المتعلّقة بالله تعالى وأسمائه وصفاته، وتذكير القلب على الدوام بها والعمل بمقتضاها خطوة أولى في طريق تحصيل الخشوع 

المفاهيم الرئيسة

1. إن للصلاة شروطاً ظاهريةً وآداباً معنويةً قلبيةً لا بدّ من مراعاتها حتى تثمر هذه العبادة تحقّق عبودية المصلّي للربّ المتعال.

2. من الآداب المعنوية المهمّة والتي لها دورٌ مهمٌّ في العبادات بشكلٍ عامٍّ والصلاة بشكلٍ خاصٍّ، الحفاظ على العبادة من التصرّفات الشيطانية والأهواء النفسية.

3. هناك عدّة أمور مساعدة لتسلم الأغذية الروحية من التصرّفات الشيطانية والأهواء النفسية: أن تكون مأخوذةً من النبع الصافي للإسلام، أن يكون الإنسان في سلوكه طالباً لله، أن لا ييأس من القضاء على تصرّفات الشيطان، أن لا يخلّي نفسه على رسلها آناً ما، أن يلجأ إلى الربّ الرحيم في خلواته لنيل توفيقه في سلوكه المعنوي.

4. التوجّه إلى عز الربوبية وذلّ العبودية أحد أهم آداب العبادات ومنها عبادة الصلاة، بل هو أدبٌ لازمٌ لرحلة الإنسان المعنوية بأسرها فلا يستقيم سيرٌ أو سلوكٌ من دونه.

5. كلّما قوي في النفس الشعور بذلّ العبودية وعزّ الربوبية زادت الروحانية في العبادة كالصلاة وغيرها، وأدرك الإنسان حقيقة العبودية وسرّ العبادة.

6. من الآداب العامّة اللازمة في الصلاة وغيرها من العبادات الخشوع، وهو يعني، الخضوع التام للحق تعالى الممزوج بالحب له أو الخوف منه جلّ وعلا.

7. لتحصيل الخشوع في الصلاة ينبغي لنا أن نعمل على تحقيق الإيمان في ما نعتقد به عقلاً من المعارف الإلهية.

8. هناك خطوات عدّة لتحصيل الخشوع: التعرّف إلى العقائد الحقّة المتعلّقة بالله تعالى وأسمائه وصفاته، وتذكير القلب على الدوام بها والعمل بمقتضاها، عدم اليأس من تحصيل حالة الخشوع الممكن جدّاً مع الممارسة والمجاهدة القلبية والجد والمثابرة، وعلى السالك أن لا يقنع بما وصل إليه بل عليه أن يطلب المزيد دائماً ويعتبر نفسه ناقصاً فلا يُبتلى بالعجب.

للمطالعة

في بيان أنّ العلم يغاير الإيمان
اعلم أنّ الإيمان غير العلم بالله ووحدانيته وسائر الصفات الكمالية الثبوتية والجلالية السلبية، والعلم بالملائكة والرسل والكتب ويوم القيامة. وما أكثر من يكون له هذا العلم ولكنه ليس بمؤمن. الشيطان عالم بجميع هذه المراتب بقدر علمنا وعلمكم، ولكنه كافر. بل إن الإيمان عمل قلبي، وما لم يكن ذلك فليس هناك إيمان. فعلى الشخص الذي علم بشيءٍ عن طريق الدليل العقلي أو ضروريات الأديان، أن يسلّم لذلك قلبه أيضاً، وأن يؤدّي العمل القلبي الذي هو نحوٌ من التسليم والخضوع، ونوع من التقبل والاستسلام ـ عليه أن يؤدي ذلك ـ لكي يصبح مؤمناً.

وكمال الإيمان هو الاطمئنان. فإذا قوي نور الإيمان تبعه حصول الاطمئنان في القلب، وجميع هذه الأمور هي غير العلم. فمن الممكن أن يدرك العقل بالدليل شيئاً لكنّ القلب لم يسلم بعد، فيكون العلم بلا فائدة. مثلاً أنتم أدركتم بعقولكم أن الميت لا يستطيع أن يضرّ أحداً، وأن جميع الأموات في العالم ليس لهم حس ولا حركة بقدر ذبابة، وأن جميع القوى الجسمانية والنفسانية قد فارقته ولكن حيث إن القلب لم يتقبّل هذا الأمر ولم يسلم أمره للعقل، فإنكم لا تقدرون على مبيت ليلةٍ مظلمةٍ واحدةٍ مع ميت!!

وأما إذا سلّم القلب أمره للعقل، وتقبّل هذا الحكم منه، فلن يكون في هذا العمل ـ أي المبيت مع الميت ـ أي إِشكال بالنسبة إليكم، كما أنه وبعد عدّة مرات من الإقدام، يصبح القلب مسلّماً، فلن يبقى عنده بعدها بأس أو خوف من الميت.

إذاً، أصبح معلوماً أن التسليم – وهو من حظ القلب – غير العلم الذي هو من حظ العقل15.

________________________________________
1 راجع الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة، المقالة الأولى.
2 سورة المؤمنون، الآيتان 1-2.
3 سورة المؤمنون، الآية 9.
4 العلامة الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن،ج‏20، ص17، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، 1417هـ.، ط 5.
5 الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج‏10، ص423، لا.م، لا.ن، لا.ت، لا.ط.
6 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج23، ص214.
7 سورة النازعات، الآية 24.
8 منسوب إلى الإمام الصادق عليه السلام، مصباح الشريعة، الباب الأول، في العبودية، ص 7.
9 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص352.
10 سورة المؤمنون، الآيتان 1-2.
11 سورة الأعراف، الآية 12.
12 سورة الأعراف، الآية 14.
13 سورة المؤمنون، الآيتان 1 – 2.
14 الشيخ الكليني، الكافي، ج3، ص300.
15 الإمام الخميني، الأربعون حديثاً، الحديث الثاني: الرياء.

المصدر: شبكة المعارف الاسلامية

أغسطس 18, 2017